حين تنظر لانجازات البشرية في القرنين الأخيرين من عمرها نسجل خطوات عملاقة في الاختراعات والابتكارات و في صناعة المكائن، نأخذ على سبيل المثال جيمس ويب، النلسكوب الفضائي القادر من بين مهامه على تصوير الماضي السحيق عبر رصده وتحويله الى صور فوتوغرافية نتناقلها من خلال وسائل التواصل الرقمية - وحين نقول ماضي سحيق نتحدث عن تصوير لنشوء واقع حدث قبل ما يزيد عن ثلاثة عشر مليار سنة من عمر الكون… تخيل يارعاك الله!!
الى ماكينة آخر جبارة تتمثل بالكمبيوتر الكمي الخارق، هذا الجهاز الذي يمسك في احتمالات اجاباته -التي يبحث في خلالها- ما يزيد عن عدد ذرات هذه الكون مجتمعة اي عدد احتمالات تتجاوز رقم كبير يكتب بـ واحد وامامه ثمانون صفراً، حتى يعطيك بعدها نتيجة لطلبك خلال ثواني معدودة قد يصل مداها مائتي ثانية في المسائل الأشد تعقيداً والتي يتجاوز حلها في الكمبيوترات الكلاسيكية العملاقة عشرة آلاف سنة… نعم كما قرأت يا رعاك الله!!
نحن هنا نتحدث عن نقلات اشبه بالخيال، انجازات تذهل عقل الإنسان المتخصص عاديك عن الانسان العادي، المشكلة الحقيقية ان أصحاب هذه الحضارة يعتقدون في انه لابد لهم من امتلاك بوارج وحاملات طائرات واسلحة متقدمة كي يحافظوا على هذا الكم المعرفي المتنامي ولحماية عجلة تقدمه ونقلاته الهائلة و مواصلة البناء عليها، ومن أجل ذلك لا يكترثون في أحيان كثيرة من هرس القيم الانسانية التي ينادون بها تحت مسارات هذه العجلة، وهذا على سبيل المثال ما يجعل شركة مثل جوجل او مايكروسوفت تشارك في الحرب على غزة، جوجل التجارية، جوجل الشركة العملاقة والهدف ليس فقط هدفاً تجارياً بل هي إستراتيجيات مصلحية تحميها كثير من شركات الغرب وليس فقط جوجل او مايكروسوفت، بهدف حماية المشروع الصهيوني الذي هو غربي قبل ان يكون يهودي، لذلك ترانا نبحث عن مصدر المنتج ونشاطات الشركة المصنعة له كي نعلم مدى دعمها من عدمه لهذا المشروع.
ولكن شركات عملاقة بهذا الحجم تحارب بقعة صغيرة في هذا العالم بحجم غزة!!!؟ واقع اشبه بالجنون ولكنه حقيقية، فالمشروع الصهيوني هو حجر الاساس لبناء هذه الحضارة الرأسمالية الشرهة والشرسة حتى ولوتغطت بفراء ناعم كفراء الذئب، حضارة الحادية استطاعت تسخير العلم لبناء ثروات طائلة، تخشى بالطبع على حجر الأساس لان في تضرره او زواله تهديد لكل المشروع ولكل هذه الحضارة برمتها.
للاسف ما يظهر من تشققات تصيب هذه الحضارة ومؤشرات على تآكلها من الداخل يخيف البعض ويجعله في حالة فزع من القادم، اذ في حال انهيارها وسقوطها سيبرز سؤال بحثي عن من هي الأمة المؤهلة لوراثتها وهل ستتابع المشوار ام انها ستسخره لمآرب خاصة ذاتية قد تكون عنصرية او ايديولوجية، ام انها ستعدل عليه وتصحح من مساره، ام انها ستطمسه وتدمره وتعتبره سببا في وبال صُبّ على البشرية لعقود.
قبل ما يقرب الأربعين سنة كانت جماعات اسلامية تحمل فكراً تقليدياً شديد الحرص على النقل يعتبر ان هذه الحضارة هي حضارة شيطانية في مجملها، وكانوا يبشرون بأن الاسلام هو الحل والقادم القريب الذي سيوقف هذه الحضارة ويخلص البشرية من جرائمها، وكان كثيرون من الخيرين المعتدلين حينها يصيبهم الحزن حين سماعهم مثل هذه الخطابات المتطرفة، اذ رغم ما تسببت به هذه الحضارة من مآسي و مجازر و تشريد وامراض وتعاسة للكثير من شعوب العالم الا انها في الوقت نفسه هي من انتجت الكثير من الاساليب والادوات التي نفعت بها البشرية ايما نفع وانه لو احسن استخدام هذه الادوات لكان النفع اكبر بكثير واشمل ولكانت المآسي و الكوارث التي اُحدثت بسببها اقل، فالمشكلة هي في الأيدولوجيا التي يعتنقها اصحاب هذه الحضارة وفي تسخير هذا الكم المعرفي المتنامي في خدمتها، وليس في الكم المعرفي نفسه، وان كان لهذه الأيدلوجيا دور رئيسي في حجم التسارع في الخطوات والنقلات.
هؤلاء الخيرين الذين كانوا بشعرون بالحزن من هذا الخطاب التقليدي المتطرف كان سبب حزنهم الرئيسي كونه في حال وصول المتشددين الى السلطة فلن يحق للمعتدلين مقاتلتهم، اذ ان قيمهم الدينية لا تسمح لهم مطلقاً باستخدام العنف ضد اخوتهم لمجرد اختلافهم معهم في الرأي و أسلوب التفكير، مما سيضطرهم للقبول بواقع رجعي متطرف ومتخلف سوف يوقف هذه العجلة من الاختراعات والابتكارات عبر تجميد آلية المعرفة او على اقل تقدير تبطيئها.
ساد هذا التيار التقليدي وكاد ان يقضي على التيار الاسلامي الآخر الذي نشأ قبله والذي كان يحاول الموازنة بين العقل والنقل، ولتنامي حجم اصحاب التيار الاول اضطر التيار الثاني ان يتكيف معه ويتبنى كثيراً من اطروحاته، خصوصاً في الفقه و العقيدة، فمشكلة التيار الثاني انه يفتقر الى أمرين هامين لمواصلة اي جماعة في بناء مشروعها وهما صلابتها تجاه ثوابتها و والثاني قدرتها على التكيف مع الواقع المغاير دون الانصهار فيه، فهي كما استسلمت لاصحاب النقل التقليديين وتصاهرت مع بعض فروعهم استسلمت ايضاً للواقع السياسي الذي يمتلك الغرب ادواته ويسيطر فيه على المشهد، واوجدت لنفسها اجتهادات شاركت بموجبها في هذا المشهد السياسي المريض.
ما يبشر انه تحت حتمية السنن الالهية في بناء و نمو الدول والمجتمعات والجماعات، اصبحنا نشهد مساحة مجتمعية وجماهيرية اوسع لعلماء على درجة عالية من الوعي والعمق والادراك والإلمام بمكونات العصر و الاعتزاز بالأصول الثابتة للامة المسلمة، في اعتقادي هؤلاء مبشر حقيقي لقدرة الأمة على التحرر و الوصول والريادة والقيادة، وهم الأمثل لوراثة هذه الحضارة و السمو باهدافها كي تكون حقيقة لخدمة الإنسان والبشرية جمعاء وبالتالي لا تكون هذه الاهداف المعلنة مجرد عبارات تسويقية لفكرها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق