يستغرب المتابع العربي العادي كيف ينتصر الغربي لمبادئه في ظل تبلد أحاسيسه هو، خصوصا حين تكون الضحية أقرب للعربي منها للغربي، فالمسألة عند الغربي هي مسألة شرف يتمثل جزء كبير منه بالتزامه بالمبادئ التي يؤمن بها وسعيه لضمان أنها هي من تدير حياته.
ودون أدنى شك يسجل لهم هنا أنهم متقدمين عنا بطريقة التفكير ومدى المصداقية مع مبادئهم والشفافية مع انفسهم، ولكن بسبب أن مناهجهم وضعية ولم يتعرفوا بعد على المنهج الرباني الحقيقي تجدهم في النهاية يضلون الطريق وينحرفون ويحرفون العالم أجمع معهم كونهم النموذج المراقب والمتبع من غالبية سكان المعمورة، ولكني ادعي أننا لم نفلح حتى في تقليدهم واقتصر التقليد لدينا على القشور ولم نصل إلى الجوهر، فنحن أصلا نعاني من مشكلة في التقليد وفهم ماهيته وماذا وكيف نقلد، حتى حين قلدنا السلف قلدناهم بنسخ فتاويهم وآرائهم الفقهية الاجتهادية والتي تأسست عصرهم وظرفهم، وتقديس ما نقل لنا منهم في كتبهم حتى لو كان فيه إساءة لديننا وقرآننا ونبينا وازواجه وآل بيته وصحابته، وهو نتيجة طبيعية لانحطاط هذه الأمة وتخلفها كونها لا تفهم ولا تفقه ولا تعقل ولا تتدبر رغم كل الوصايا التي جائت في القرآن الكريم تحض على هذا النشاط العقلي و تفعيله، يظهر هذا جليا في فهم العبارة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم في تحديد درجة خيرية القرون الأولى، وكيف نحن فهمنا هذه الخيرية على أنها استنساخ ما جاء عنهم وتقليده، بينما الخيرية في القرون الأولى تتمثل بتقليد شفافية ذلك الجيل مع نفسه و صدقه مع ربه و نفسه ومحيطه، كذلك في تقليد شعورهم العالي بالمسئولية وتحملها و اشفاقهم على حال الأمة والبشرية جمعاء. والواضح أن درجة وعيهم كانت مرتفعة وذلك ناتج عن تفعيل آليات التفكر والتدبر والتعقل.
وحين نتكلم عن القصور في امتلاك هذا الحس المسئول في دواخلنا فهو أمر لا يقتصر علينا نحن الأفراد العاديين مقصورا علينا نحن الأفراد في المجتمع بل أن الكارثة أكبر و أطم، وتتمثل أولا في علماء الأمة في غالبيتهم، وأقصد هنا العلماء الصادقين الذين نحبهم ونجلهم، انظر مثلا لرئيس اتحاد علماء المسلمين، الدكتور القره داغي وبسبب وجوده في قطر وقف مع القوات السعودية المعتدية وأكد على استنكاره لتهديد الحوثيين للمدنيين ولاستقرار المنطقة، رغم أن السعودية خرجت بطائراتها الحديثة لقتل المسلمين في اليمن بينما كادت طائراتها أن تصدأ وهي واقفة لا تحرك ساكنا طيلة الإبادة الجماعية التي كان يتعرض لها المسلمين في غزة والتي استمرت لسنوات ومازالت، ورغم تسمية المجاهد الشهيد أبو عبيدة للحوثيين وموقفهم الشجاع معه بإخوة الصدق.
وموقف الشيخ قره داغي هذا يعني موقف مجموعة كبيرة من علماء المسلمين يضمهم الاتحاد، ولا أدري أين المصداقية هنا.
هؤلاء المدافعين من الغربيين عن غزة ضد الصهاينة في جزء كبير منهم هم مدافعين أيضا عن الشواذ جنسيا وعن اختيارهم، والمبدأ عندهم واحد، أقلية و مستضعفين ضحية لمتغلب طاغية، وهم يرفضون أن يكونوا في صف الطاغية ويرون خاطئين أنهم بذلك يعطون المستضعفين حقهم في تقرير مصيرهم، هنا ضلوا واضلوا، بسبب غياب المنهج الرباني كما قلنا، ولكن رفضنا نحن المسلمين لهذه "الحقوق" كان تقليدا للسلف دون فهم واعي للقضية بحد ذاتها وسبب تجريم الدين لهذه الحقوق وأصحابها، وكيفية التعامل معها في العصر الحديث، وعدم قدرتنا على التفريق بين الجريمة المشينة والمرض نفسه و حامله، وحين حاول الباحث الملتزم أحمد دعدوش شرح هذا الفرق ووجوب التعامل مع هذه القضية بوعي مختلف قوبل من جمهوره بالاتهامات و السب والشتم.
هذا هو حالنا، تقليد أعمى كسول وبليد لا يرقى أصحابه لقيادة العالم، بل قد يؤدي تقليدهم نفسه إلى الاساءة إلى دينهم وقرآنهم ونبيهم كما قلنا، وقد يكون هذا هو الزمن الذي استسلم فيه المسلمون لبلادتهم وكسلهم وركنوا فيه للتقليد الأعمى هو الزمن الذي أخبر بها الرسول الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام بهلاك العرب بسبب تقصيرهم الشديد وفساد مصداقيتهم، في نفس الوقت لو علم هؤلاء الغربيين المنصفين
،المتقدمين عنا في التفكير، بماهية الإسلام لربما تبنوه كما يحدث الآن مع كثير منهم ولربما بعد ذلك استطاعوا إكمال قيادة العالم ولكن بمنهج مختلف.






