مقتلة كنيسة الكرك عمل جبان و مستنكر ولا يسع أي إنسان عاديك كونه مسلم إلا أن يستنكره، ما يستفز المسلم هو أنه دائماً مطالب بأن ينفي ويبرئ نفسه والإسلام من تهمة الغدر وخيانة المجتمع وكأن في ذلك شك، رغم أن القاعدة االمجتمعية البسيطة تقول بأن الجريمة تقع جريرتها على مرتكبها، الجاني، ولا تعم لتشمل مجتمعاً صغيراً فما بالكم بأمة كاملة، وتبرير دافع الاعتذار بأن هناك فكراً منحرفاً يشجع على مثل هذه الجرائم لا يعطي باعث ذو حجة لكل مسلم بأن يقدم تبرئه من هذا الجرم، وإلا كان على المسيحيين أن يعتذروا ويتبرئوا مما فعله مجرم نيوزيلندا برينتون تارانت في مارس 2019 بالمصلين المسلمين في أحد مساجد بلاده والذي زاد عدد ضحاياه عن 50 مصلي مسلم ارتقوا جميعهم شهداء بإذن الله،
أو كان عليهم الترئ من جرائم الولايات المتحدة في حق العالم الإسلامي ، من مدنيين في أفغانستان إلى الصومال والعراق ووو، أو روسيا ومجازرها المرتكبة بحق المدنيين أيضاً في الشيشان و سوريا، أو هولندا وجيشها المنضوي حينها تحت الأمم المتحدة والذي غدر بما يزيد عن خمسة آلاف من مسلمي البوسنة في سريبرينيتسا وسمح للصرب المتوحشين باغتيالهم بعد أن أوهمهم بأنهم آمنين و تحت حماية المنظمة الدولية. كل هذه الجرائم الشنيعة والبشعة لم يُطلب حينها من المسيحيين أينما كانوا أن يعتذروا عنها، لأن ذلك وببساطة يخالف قاعدة إنسانية متعارف عليها بين بني البشر.
بينما كل هذه المبادئ السلوكية السوية يتم تجاهلها إذا كان الجاني ينتمي إلى مجتمعِ مسلم، وكأن المفروض أن يشعر المسلم دائماً بقلق وخوف وتأتي ضمير طالما كان يحمل في صدره معتقد الإسلام وينتمي إلى مجتمع مسلم، قلق يتغذى عبر جهوزية المتربصين بأن يرفعوا في وجهه يافطات اعتراض وإدانة وتجريم في أي جريمة ترتكب في مجتمعه وتخص مجنمع مختلف عنه كي يظل منكمشاً متحسباً لكل خطأ قد يقع هنا او هناك. هنا يصبح المعتقد عبئاً على صاحبه بدل أن يكون ملهماً له وباعثاً في جعله إنساناً إيجابياً منتجاً. وتبنِّي مثل هذه السياسات ضد المسلم أمر مفهوم حين يكون من أعدائه كأسلوب فعال يندرج تحت أصناف الحروب النفسية، بحيث تضعف الخصم قبل أي مواجهة محتملة أما أن تقوم حكومة المجتمع المسلم بتبني مثل هذه السياسات وسن القوانين االتي تعززها واتخاذ إجراءات عملية بسببها تمس حتى نصوص دينية ثابتة واضحة بهدف تغييرها فهذا أمر خطير للغاية وتجعل المسلم يسأل حينها عن ولاء حكومته وإلى أين ينصرف.
فالشيء الطبيعي والمسلمات البديهية تفتضي إلى أنه في حال قيام أي مجتمع بتبني قيم معينة فإن هذا المجتمع يحتاج إلى تشرييع قوانين تحمي هذه القيم و الثقافة وإلى جهاز تنفيذي يجعل القانون المسن تطبيقاً حاضراً على أرض الواقع، وبالتالي ينتخب المجتمع من يرتضيه من رجالاته كي يبنوا ما نسميه اليوم السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية التي تحمي ثقافته، وتسير الحكومة بعد انتخابها في مشوارها تحت ظل هاتين السلطتين، أما أن تصبح الحكومة ضاغطة على المجتمع ومخالفة بسياساتها لما يرتضيه من قيم وثقافة تعبر عن هويته، والأشد بلاءً حين تسن قوانين تستغل لحماية سلوكيات مخالفة لقيم المجتمع وثقافته، بل وتهدمها، هنا وجب أن تجيب الحكومة عن أسئلة الشعب في مدى ولائها له وتبنيها لقيمه وثقافته.
تصريحات وزير الداخلية في بلادي الأردن بعد حادثة كنيسة الكرك تصريحات خطيرة تعرَّض فيها لحكم شرعي واضح صريح في كتاب الله الكريم والذي نهى سبحانه الرسول الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لغير المسلم، والأمر هنا بالطبع لرسوله وأتباعه أيضاَ.
لذلك نقول لوزير الداخلية التعرض لنصوص دينية أمر في منتهى الخطورة ولا يمكن قبوله من حكومة بلادي التي تمثل مجتمعاً غالبيته العظمى من المسلمين ومن مذهب واحد.
ولا أدري لماذا حين يفكر رجالات الدولة بالإصلاح المجتمعي يتعرضون أول ما يتعرضون فيه لمؤسسات دينية كاملة ويقومون بإغلاقها بدلاً من إصلاحها؟
كم من مركز لتحفيظ القرآن تم إغلاقه!؟ وكم من آيات حذفت من مناهج التعليم وكم من مؤلف مدرسي تمت إعادة صياغته عبر تخفيف المادة الدينية لصالح النص التربوي الوضعي بغلاف يحمل عنوان " مادة الدين"، تخفيف كثافة المواد الدينية للطالب وعدم تخصيص أي عدد من الحصص للقرآن الكريم خلال الأسبوع ما علاقته بإصلاح المجتمع و ما شأنه بتجفيف منابع الإرهاب، إلا إذا كانت حكومتنا تتبنى وجهة نظر الغرب بقيادة الولايات المتحدة و الأبواق الناعقة فيها المعادية لنا ولثقافتنا.
هل تتعرض المدارس الأمريكية والإنجليزية والمراكز الثقافية الألمانية والفرنسية في البلاد للرقابة كما هو الحال بالنسبة للمدارس والمراكز الأهلية الوطنية وبنفس الدرجة!؟ لصالح من تعمل حكوماتنا المتوالية، هل هذا هو ثمن حفاظ الأردن على المصاف الأولى للدول اللاحقة بركب "العولمة"؟
وكل منا يعلم أن للعولمة أخلاقيات وقيم تجتهد في نشرها في العالم أجمع، هل درسنا هذه القيم وفصفصناها لنراها إن كانت تناسبنا أم هي معادية أصلاً لثقافتنا وقيمنا!؟ ما الصالح فيها كي نتبناه وماهو الطالح إلى درجة المعادي لقيمنا كي نتجنبه ولا نطبقه على المجتمع؟ أم يراد لنا أن نكون عرايا منسلخين عن ثقافتنا ومنقطعين عن جذورنا فنصبح هشيماً وغثاءً في مهب الأعاصير الثقافية والفكرية التي تضرب المنطقة عبر منصات وأجهزة بيد كل الأعمار لا أحد يقوى على مراقبتها وفلترة ما تقدمه.
لابد لوضع حد لهذه المهزلة التي تقودها الحكومة في كل مرة تقع فيها جريمة بشعة تتلبس لباساً دينياً وذلك عبر الأصوات المنصفة والعاقلة في المجتمع من مفكرين تربويين ومعلمين وقادة رأي، وأن لا تستغل حكوماتنا المتوالية هذه الجرائم كي تثبت ولائاتها للعولمة وأصحابها.
نعلم أن الأردن فقير وأنه في أمس الحاجة للمساعدات الأوروبية والأمريكية ولكن أن يكون ذلك على حساب ثقافتنا وديننا فهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً وبدلاً من ذلك لابد لحكومات متوالية على دولة عمرها يزيد عن مائة عام أن تتعلم من أخطائها وأن تبحث بشكل جاد عن أسباب تعثراتها الاقتصادية وحالة الفقر والحاجة التي تعيشها منذ نشأتها، رغم أن نسبة التعليم والشهادات العليا فيها من أعلى النسب عالمياً ورغم أننا من الدول المصدرة للعقول إلى الخارج، لابد من طرح حلول جادة لهذه المعضلة حتى نشعر باستقلاليتنا الحقيقية وحتى لا نخضع لابتزازات المساعدات الاقتصادية والمعونات الخارجية والدعم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق