وقفة أمام حديث نسب لرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول" لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق»
تفاجئت حين قرأت تفسير السلف رضوان الله عليهم جميعاً لهذا الحديث كالإمام النووي والقرطبي حيث قال:
النووي: ففيه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع العلماء على أنه فرض كفاية، فإن خاف من ذلك على نفسه، أو ماله، أو على غيره، سقط الإنكار بيده، ووجبت كراهته بقلبه، هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير. انتهى.
وقال القرطبي: قال ابن عطية: والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه، وأمن الضرر على نفسه، وعلى المسلمين، فإن خاف فينكر بقلبه، ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه. انتهى.
تعجبي كان بسبب أنهم بذلك يناقضون ما جاء من هدي وسمت الرسول صلى الله عليه وسلم وعامود سلوكه وتعامله مع الأمور والمحدثات والمواقف المختلفة، والقائم على أن المسلم لا يخشى في الحق لومة لائم، وأن الإيذاء في سبيل الحق هو عزة للمسلم المنتصر لدينه والواقف على المبدأ
اجتهادهم هذا منافي تماماً لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من أقوال وأفعال وإقرار،
وهنا نستذكر أول ما نستذكر الحديث الذي يقول: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطانٍ جائر"
هذا الحديث الواضح الصريح أقوى في صحته من الحديث السابق، حيث يصنف بأنه صحيح بل مجمع على صحته، بينما الحديث السابق هو في درحة الحسن الغريب عند الترمذي، أي أقل بدرجتين في الصحة من الحديث الثاني، أضف إلى أنه قد ضعفه بعض العلماء المعاصرين،
وثانياً فإن الحديث الثاني يؤيد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم طوال فترة دعوته في مكة والتي امتدت لما يزيد عن ثلاثة عشر عاماً تعرض فيها للإيذاء والتعنيف والسب والشتم والإيذاء المهين والذي وصل إلى درجة الملاحقة بهدف القتل، ولم يثنيه ذلك عن التوقف عن قول الحق أو أقلها التوقف عن ذم سلوك خصومه وتسفيه أحلامهم وديانتهم وسلوكياتهم الخاطئة، ألم يتعرض لضغوط نفسية عظيمة حين كان كبار قريش وساداتهم يذهبون لعمه أبو طالب ويضغطون عليه كي يوقف ابن أخيه والذي كان تحت رعايته في صغره بعد وفاة جده عبد المطلب، صلوات ربي وسلامه عليه، يوقفه عن الدعوة والجهر بالحق!!؟ ألم يسلط عليه أهل الطائف صبيانهم كي يلاحقوه بالشتائم والحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين!!؟، ألم يضع مشركي قريش في طريق بيته الشوك والأذى والقاذورات!؟ ألم يتركوه ساجداً ليضعوا على رأسه بقايا أحشاء ذبيحة؟ ألم يحاولوا تسميمه وقتله بحجر يسقط من فوقه؟ ألم يحاصروا بيته و يلاحقوه في طريقه إلى المدينة قاصدين قتله؟
هل أوقفه كل ذلك عن الجهر بالحق والدعوة إلى دين الله وإصلاح حال الناس!؟ بالطبع لا
ولا يستطيع أحد أن يقول بأنه رسول مكلف وليس كباقي أتباعه فحاله خاص وليس عام، وذلك لأنه هو القدوة لكل من صدق وآمن به وبدينه، كما أنه كان يصَبِّر من هم تحت التعذيب من صحابته وصحابياته ولم يعاتبهم بمخالفة هديه " إن صح الحديث الأول" ولم يأمرهم بأن يداهنوا المشركين كي يوقفوا ما هم فيه من أذى وبلاء، بل جعله خياراً لمن لا يقوى على تحمل الأذى بأن يداهن الخصوم بلسانه وليس بقلبه عله يخلص من حال التعذيب والتنكيل.
والخيار الذي وضعه رسول الله أمام المسلم إذا تعرض للأذى ليس هو المستحب وليس ما هو خلافه منكر كما فسر ذلك البعض للحديث الغريب، وإنما على عكس ذلك فهوعليه الصلاة والسلام حين كان يوصي آل ياسر بالصبر ويعدهم الجنة وكأنه بذلك يشجعهم ويحثهم على الثبات لا الخنوع عند رغبات أعدائهم.
أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يستحب للمسلم العزة والكرامة في الثبات على الموقفه وفي تمسكه بدينه وليس العكس الذي فيه انكسار النفس والمهانة والذل الحقيقيين بإظهار الخوف والضعف وعدم الثبات وانتصار الخصم الجائر على إرادة المسلم الموحد.
ما أراه في معنى الحديث الغريب وإن صح في أنه يوصي المسلم بأن لا يقبل إذلال نفسه وإهانتها من أجل غرض دنيوي كمنصب أو حتى لقمة عيش، فمثلا هناك من العمال من يقسوا عليه سيده في العمل فيحمله فوق طاقته ويجهده عظيم الإجهاد بل قد يصاحب ذلك قسوةً في القول وشتم وتوبيخ و انتقاص من قدره فهنا يأتي نهيه عليه الصلاة والسلام في قبول ذلك وتحمله بغية كسب العيش وكأنه صلى الله عليه وسلم يذكر أتباعه بأن الرزاق هو الله وهو المدبر القادر على إطعام خلقه.
أما في الثبات على الحق والمبدأ والتعرض في سبيل ذلك للبلاء والسجن وربما القتل ففي ذلك عزة وكرامة وارتقاء الى أعلى الدرجات، ولذلك يفخر أهل الشهيد بفقيدهم و ينصبوا له حفل تأبين ولا يسمونه عزاءً، ويفخر الخطيب أو الكاتب أو الصحفي بأنه تعرض للأذى والسجن والبلاء من أجل رأيه الذي يعتقد أنه به يناصر الحق.
كيف خلد سيد قطب رحمه الله اسمه وسيرته ومؤلفاته بثباته على الحق واستشهاده في سبيل ذلك،
وكيف حولته تضحيته هذه إلى أيقونة في طلب الحق ونموذج معاصر يحتذى لدى كثير من المسلمين، والأمثلة كثيرة لا حصر لها في ذكر هؤلاء الأبطال الشرفاء منذ عصر النبوة إلى يومنا هذا.
إنما استُسيغ هذا الرأي وهذا التفسير في زمن الخنوع والمهانة والانبطاح للآخر المعادي، وتبناه علماءٌ إما بسبب همتهم الضعيفة أو أنهم من أصحاب النفاق والدنيا كالمداخلة ومن هم على شاكلتهم.
