مازال التونسيون يحتفلون بإقرار دستورهم وخروجه للعلن بعد مدة تجاوزت
الثلاث سنوات، وهو الدستور الأول لبلد مسلم و الذي يجرم التكفير، وهو ما يفيد بإشارات
نضج الشعوب والحركات الإسلامية واتساع أفقها لتستفيد من أخطائها السابقة وأخطاء
غيرها. هذا الدستور الذي توج نجاح الثورة
التونسية من بين ثورات أخرى فشلت أو ما زالت تترنح ولم تتعافى بعد من ضربات
غارميها. التكفير هو الكارثة التي ورثتها الأمة من عصور ظلامية عاشتها سابقاً
عندما تركت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كرس الظلم والاستبداد في
بداياتها الأولى وأعني "العصر الأموي" وأخرج لنا حكام السلاطين الذين
كانوا حريصين كل الحرص على استخراج الفتاوى التي تكفر المعارضين لتكون ذريعة
لاستحلال دمهم والاستحواذ على أموالهم.
هذه الآراء والفتاوى تناقلتها الأجيال ووجد متنطعين عصرنا الحالي
والمغالين منهم من يستخدمها لتكفير أبناء المجتمع المسلم الواحد بل وتكفير طوائف
بكاملها، مما يعني إستباحة دمائها وأموالها وأعراضها، وهو ما سبب حالة القتل
الغادر الجنونية والتي تعيشها الأمة منذ أكثر من عقد الآن والتي زادت في بشكل يهدد
كيان الأمة بكاملها ودخولها في حروب أهلية تطيح بها. ومما يزيد الأمر خطورة سعادة
وسرور منفذيها وكأنهم ينشرون في شوارع عواصم عربية ومسلمة كثيرة أفراح و كرنفالات.
كرنفالات الموت هذه لم تجد وإلى الآن تحرك قوي وجاد من علماء الأمة ورجالها
الحركيين ومجامعها الفقهية تضع من الخطط والحلول ما يعالج هذه الظاهرة الخطيرة،
والتي أصبحت ظاهرة يومية في بعض العواصم العربية.
لن تستطيع أن تجد جوابا منطقياً لنفسك حين تسألك كيف يتم غسل أدمغة
هؤلاء وينتحرون بمحض إرادتهم كي يقتلوا في من يقتلوا أبرياء وقد يكون منهم أطفال
ونساء، وفي نفس اللحظة هم على يقين منقطع النظير أنهم ذاهبون لملاقاة أهل الجنة كي
يغدقوا عليهم من نعيمها، لن تجد جواباً لأنه وبكل بساطة ليس هناك أي جواب منطقي
عقلاني لذلك، وإنما هي أجوبة تقنع من كان يملك عقلاً به خلل عضوي أو نفسي، وهو ما
أتوقع أنه حال أمثال هؤلاء. ولقد صدق رسول الله حين وصفهم بقوله صلى الله عليه
وسلم
عن أبي سعيد الخدري - رضي
الله عنه - قال: "بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا؛ أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ
وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ! فَقَالَ:
(وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ
لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ) فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ
فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: (دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ
أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ،
يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ
كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا
يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ
شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ - وَهُوَ قِدْحُهُ - فَلَا يُوجَدُ فِيهِ
شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ
الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ
الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ
فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ)
أمثال هؤلاء لا يؤمنون إلا بالعنف والقتل والقتال لإرساء أساسات
المشروع الإسلامي، فمثل هذا المشروع العظيم لا يقوم حسب قناعاتهم إلا على الأشلاء
والجماجم وبحور من الدماء، في الوقت الذي يرى فيه فريق آخر أن الدعوة إلى الله هي
ما بدأ به الرسول الأعظم مشروعه لبناء دولة الإسلام والتي مارسها عليه الصلاة
والسلام بكل صبر وتحمل وأخلاق رفيعة ولمدة ثلاثة عشر سنة، لذلك هم يلجأون لهذا
الطريق الدعوي ويستخدمون لتحقيقه كل الأدوات والأساليب المتوفرة والتي تساعد على
نشر الدعوة، من صحف وإذاعة وتلفاز وسينما وغناء، وهنا نتذكر المغني سامي يوسف
والذي غنى للإسلام وللرسول الكريم بأكثر من لغة محاولاً أن ينشر دعوته ، والمغني
يوسف إسلام والذي كان يسمى سابقاً كات ستيفنس صاحب الجمهور العريض وكلاهما استخدم
الغناء لمدح الإسلام والرسول ولترك علامات استفهام في رؤوس جمهورهم عن الحياة
والموت وأسباب الوجود وأسباب الخلق والبعث والحساب والإختيار والطريق القويم. كما
كلنا يتذكر فيلم الرسالة والذي كان سبباً في دخول كثيرين إلى الإسلام وفيلم عمر
المختار والذي أبكانا جميعاً في مواقف درامية مختلفة والذي أيقظ بداخلنا عزة
الإسلام وقوته وعدله وجماله، كان هذين الفيلمين من إنتاج وإخراج العبقري المؤمن
مصطفى العقاد، الأمريكي الجنسية والحلبي الأصل والذي أحب دينه ورسوله وتاق
لخدمتهما في مجاله والذي شق طريقه في هوليود وأخرج وأنتج العديد من الأفلام هناك.
جائت مشيئة الله بأن يتقاطع هذين الخطين في العمل لله في حدث تراجيدي
مؤسف وحزين، حينما أرسل أبو مصعب الزرقاوي قائد فلول القاعدة في العرق، إنتحاريه
إلى عمان عاصمة الأردن كي يستهدف ثلاثة فنادق عالمية هناك لحصوله على أخبار تفيد
عقد اجتماع مخابراتي بين العدو الصهيوني وأجهزة عربية أخرى، حيث لم يكن الزرقاوي
على تأكد من الفندق الذي سيعقد به الاحتماع فإنه أرسل انتحارييه لإلى ثلاثة فنادق
يتوقع انشغال أحدها بالاجتماع. قد أصاب الزرقاوي الإجتماع وقتل بعضاً من المسئولين
المتقابلين هناك، ولكنه في نفس الوقت قلب أحد الأعراس المعقودة في أحد هذه الفنادق
الثلاثة قلبها إلى أتراح، راح ضحيتها العريس والعروس ووالد والدة العروس وبعض من
المدعويين، كما راح في فندق آخر أبرياء آخرين كان منهم إبنة المخرج مصطفى العقاد والذي
لحقها فيه والدها بعد أيام من نقله مصاباً في إحدى مستشفيات عمان، حيث فارق الحياة
ولم يتم مشروعه الدعوي الثالث، وهو فيلم"صلاح الدين الأيوبي" والذي كان
يحلم في أن ينفذه قبل موته. شائت أقدار الله أن يقضي بيد من يدعي خدمة دين الله
بالغدر والقتل وسفك الدماء، بسوء الأخلاق والسلوك الفاجر الأرعن والذي لا يحمل
أدنى قيمة لروح الإنسان. مشيئة الله تركتنا أمام هذا الصدام علنا نصحو ونختار بين
هذين الطريقين ما فيه خير للدين والدنيا والبشرية جمعاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق